أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
65
التوحيد
معدومة ثم وجدت من بعد ، وفي تقديمها نفي التوحيد ؛ لما كانت الأشياء بعد معدومة ، فاختلفا في الخروج والظهور ، وإلا فهي في القدم أشياء معدومة ، فصيّروا مع اللّه أغيارا في الأزل ، وذلك نقض للتوحيد . وفيما قالوا قدم العالم ؛ لأنه الأشياء سوى اللّه ، والمعدوم أشياء سواه لم يزل ، وفي ذلك مخالفة جميع الموحدين في إنشاء اللّه تعالى الأشياء من لا شيء ، وعلى قولهم إنما هو إنشاء بمعنى الإيجاد ، وإلا فهي أشياء قبل الإنشاء ، واللّه الموفق . فقول من يقول من الدهرية بالباري على أنه لم يزل صانع الأشياء لتكون في الأزل أقرب من قول هؤلاء . وفيما قالوا أيضا إيجاب موافقة الدهرية في قولهم طينة العالم قديمة ، وكذلك قول أصحاب الهيولى أن حدثت الأعراض فظهر بها العالم ، وكذلك هؤلاء يجعلون الأشياء بالشيئية غير حادثة ثم وجدت ، مع ما في ذلك من أن اللّه لم يكن خالقا ولا منشئا ، كما كانت الأشياء لا موجودة فوجدت ، واللّه سبحانه كان بذاته غير فاعل ، ثم ظهر بخلق الخلق ، أو كان غير خالق ثم وجد خالقا ، واللّه الموفق . وقولهم إن اللّه كان بذاته ولم يكن العالم ولا شيء منه ، ثم كان العالم من غير أن كان منه إليه معنى به كان ؛ لأن الإرادة عندهم هي العالم ، وكذلك التكوين ، فكان العالم لا معنى منه إليه به كان ، ثم صيّروه دليلا عليه على القول بما ذكرت . فأما إن كذّبوا بجعله دليلا ، وبقولهم إن لم يكن منه غير كونه بعد أن لم يكن ، ومذهبهم أن العلم بكون شيء لا يوجب تكوينه ، والقدم لا يوجب كونه به ، وليس من اللّه عندهم إلا هذين ، لا يوجب واحد منهما كونه ، فأوجبوا كون العالم لا بأحد ، على ما قال القائلون بقدم العالم إذ كان لا بغيره ، فضاهوا بقولهم هذا قول أولئك ، إلا أن أولئك ألزم للقياس ؛ إذ لما كان العالم لا بغيره جعلوه أزليا ، وهؤلاء جعلوه من الوجه الذي بيّنا لا بغيره حادثا . ثم أعجب منه أن جعلوا العالم خالقا ونفسه مخلوقة ، وجعلوه صانعا ونفسه مصنوعة ، فصار العالم عالما لا بصنع لغيره فيه ، ثم ألزم نفسه كل اسم دنيء وكل اسم سنيّ ، لو قلب اسم العالم لكان أعذر ، ولكن ذا آية عواقب السوء . وأيضا من مضاهاتهم في هذا قول الثنوية : إن الأشياء كانت معدومة ثم وجدت من غير أن كانت به ، ثم إيجادها غير خروجها من العدم . وقالت الثنوية : كان النور والظلمة متباينين فامتزجا ، فكان هذا العالم من غير أن كان ، ثم تباين غيرا ، وامتزاج غير ، فصار العالم عالما بنفسه بعد أن لم يكن عالما ؛ إذ لا غير هنالك أوجب ذلك ، وكذا قول المعتزلة على ما ذكرنا ، ولا قوة إلّا باللّه . واستدلت المعتزلة وغيرهم على حدث العالم بما لا يخلو عن محدث ، ولم يكن